فخر الدين الرازي

176

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الأولى : قال الشافعي رحمه اللَّه : القتل على ثلاثة أقسام : عمد ، وخطأ ، وشبه عمد . أما العمد : فهو أن يقصد قتله بالسبب الذي يعلم إفضاءه إلى الموت سواء كان ذلك جارحا أو لم يكن ، وهذا قول الشافعي . وأما الخطأ فضربان : أحدهما : أن يقصد رمي المشرك أو الطائر فأصاب مسلما . والثاني : أن يظنه مشركا بأن كان عليه شعار الكفار ، والأول خطأ في الفعل ، والثاني خطأ في القصد . أما شبه العمد : فهو أن يضربه بعصا خفيفة لا تقتل غالبا فيموت منه . قال الشافعي رحمه اللَّه : هذا خطأ في القتل وإن كان عمدا في الضرب . المسألة الثانية : قال أبو حنيفة : القتل بالمثقل ليس بعمد محض ، بل هو خطأ وشبه عمد ، فيكون داخلا تحت هذه الآية فتجب فيه الدية والكفارة ، ولا يجب فيه القصاص . وقال الشافعي رحمه اللَّه : إنه عمد محض يجب فيه القصاص . أما بيان أنه قتل فيدل عليه القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه وكز القبطي فقضى عليه ، ثم إن ذلك الواكز يسمى بالقتل ، بدليل أنه حكى أن القبطي قال في اليوم الثاني : أَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ [ القصص : 19 ] وكان الصادر عن موسى عليه السلام بالأمس ليس إلا الوكز ، فثبت أن القبطي سماه قتلا ، وأيضا ان موسى صلوات اللَّه عليه سماه قتلا حيث قال : رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [ القصص : 33 ] وأجمع المفسرون على أن المراد منه قتل ذلك القبطي بذلك الوكز ، وأيضا ان اللَّه تعالى سماه قتلا حيث قال : وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً [ طه : 40 ] فثبت أن الوكز قتل بقول القبطي وبقول موسى وبقول اللَّه تعالى ، وأما الخبر فقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل » فسماه قتلا ، فثبت بهذين الدليلين أنه حصل القتل ، وأما أنه عمد فالشاك فيه داخل في السفسطة فان من ضرب رأس إنسان بحجر الرحا ، أو صلبه أو غرقه ، أو خنقه ثم قال : ما قصدت به قتله كان ذلك إما كاذبا أو مجنونا ، وأما أنه عدوان فلا ينازع فيه مسلم ، فثبت أنه قتل عمد عدوان ، فوجب أن يجب القصاص بالنص والمعقول . أما النص : فهو جميع الآيات الدالة على وجوب القصاص ، كقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [ البقرة : 178 ] وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [ المائدة : 45 ] وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [ الإسراء : 33 ] وَجَزاءُ / سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] . وأما المعقول : فهو أن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الإهدار . قال تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ [ البقرة : 179 ] وإذا كان المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الإهدار ، والإهدار من المثقل كهو في المحدد كانت الحاجة إلى شرع الزاجر في إحدى الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى ، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الإهدار ، إنما التفاوت حاصل في آلة الإهدار ، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر ، والكلام في الفقهيات إذا وصل إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في التحقيق لمن ترك التقليد ، واحتجوا بقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « ألا إن قتيل الخطأ العمد قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل »